الأربعاء، 18 أبريل 2018

مراجعة فيلم In The Fade 2017

" توابل تراجيدية " ..

In The Fade 2017 - في التلاشي

•  إخراج: "  فاتح آكين "
•  التصنيف : جريمة - دراما
•  حالة المراجعة  :   بدون حرق
•  الكاتب  : ليث التميمي
•  التقييم الشخصي :  1/2 ★★



يعود المُخرج الألماني الشاب " فاتح آكين " بعد فيلمه الأخير " وداعاً برلين " الذي قام بعرضه سنة 2016 والذي لم يلقى تلك الأصداء الكبيرة بالمقارنة القريبة مع فيلمه هُنا ، يُطل علينا من جديد محيياً بدوره مدينة " هامبورغ " الألمانية لكن هذه المرة بواسطة تفجير إرهابي ، صاباً بدوره جام غضبه على المعركة العِرقية الحاصلة في القرن الحادي والعشرين لألمانيا اليوم ، من خلال عودة النازية بثوبها الجديد حالمة بتحقيق  أجنداتها النائمة طوال عقود مضت على سقوطها ، وكل ذلك بغية تأسيس نُواة مِجهرية تُسلَط الضوء على موضوع شائك عن التنميط العرقي المعاصر . تم عرض " في التلاشي " بدايةً في مهرجان " كان " السينمائي خلال دورته الـ70 للعام الماضي ، وحاز على إعجاب شريحة واسعة من النُقاد ولجان التحكيم ، مُتقلداً بدوره جائزة أفضل ممثلة رئيسية التي حصلت عليها المُمثلة الألمانية " ديانا كروغر " عن الفيلم نفسه ، مما أفضى إلى جذب الأنظار تجاهه وساعد بذلك إعتماده من قِبل بلده عن طريق تمثيله لباقي المهرجانات الكبيرة ، ومنها "الغولدن غلوب" ، الذي فاز عنه أيضاً بجائزة أفضل فيلم أجنبي لعام 2017 .


حِكاية الفيلم تدور في مدينة " هامبورغ " الألمانية ، نُطل من خلالها على حياة زوجين وإبنهما ، الزوج " نوري " والذي قام بتأدية دوره الممثل التُركي " نعمان آسار " ، وزوجته " كاتيا" التي قامت بدورها مُمثلتنا الرئيسية " ديانا كروغر " ، والطفل" روكو " الذي قدمه المُمثل الصغير " رافاييل سانتانا "  . عائلة وكما هي العادة تعيش سلاماً داخلها ; " نوري " هو كُرديَ الأصل و يعمل في مكتب للضرائب ومُترجم ، حيث كان قبل ذلك كله تاجر مُخدرات ، أما " كاتيا " فهي أم مُربية تعتني بزوجها وطفلها ، جمعتهما علاقة غرامية أيام الدراسة فأودت بهم إلى الزواج بعد فترة من حُكم " نوري " بالسجن على خلفية الإتجار بالمخدرات ، لتندلع أحداث الفيلم فيما بعد على إثر حادث إنفجار أودى بحياة زوجها وإبنها داخل مكتب الزوج ، فتتخبط " كاتيا " على طول خط الأحداث بين سعيها للحصول على العدالة من أيدي الإرهابيين وبين حُزنها الناتج عن فٌقدان عائلتها .




سيناريو الفيلم الذي قام بكتابته " فاتح آكين " بالاشتراك مع المُؤلف " هارك بوم " ينقسم إلى ثلاثة مراحل أو ثلاثة فٌصول درامية ، تعبر من خلالها " كاتيا " باحثة عن سبيل أمل في التقليل من مُعاناتها ، تتجزأ الفصول الثلاث عن طريق عمل مُحاذاة  بين الفصل والآخر دون إنهيار كامل في البُنية ، داخل مسار خيطي تشترك به " كاتيا " في جميع أحداثه ،وتتصارع وحدها على الشاشة ، وعلى أرضية كافية لفرض دراسة إجتماعية عن إمرأة تُقاتل مُحيطها وداخلها على قدم وساق من التخاذل المُناط بقدرها ، الذي بدأ بقصة حُب مع زوجها في ظل تعاطي المُخدرات ، التي كانت تبتاعها منه أيام الدِراسة ، لنفضي بعد حين إلى زوايا إختلافية بين طبيعة حياة " كاتيا " مع عائلتها الألمانية من جهة ، وحياة " نوري " مع عائلته الكُردية من جِهة مُقابلة ، فينتهي القدر من إفلاسه صوب فٌقدانها جميع من هم حولها . هُنا يضع " آكين " الكثير من المتاعب أمام " كاتيا " لتواجهه ، لكن سُرعان ما ينجلي التقسيم الثُلاثي إلى قِسمة أحادية مبنية على تعليب " آكين " لأفكاره في مُواجهة المُعضلة الرئيسية ، وبالتحديد عندما تعامل مع النازية المزعومة كمظلية تغطي الاحداث فقط ، لا يُبرز من خلالها مواهب جادة  أو رؤى ذاتية خاصة ، مما أودى ذلك التنازع بين مُستويات فُصوله صوب النهاية  إلى فصل ثالث فوضوي ، يُعيد حِياكة السرد لكن بالمُعادلة البسيطة  في أفلام الإنتقام المُعتادة ، غير أن هذه المرة بواسطة إمرأة . فعلى الرغم من صعود وتيرة الأحداث إلى حد جيد من إصقال النازية بثوب الخنزرة المُتمثلة على أجساد المُجرمين في قاعة المحكمة أو عِندما ألبس "آكين"  أيضاً مُحامي الدفاع عباءة الحقارة الراديكالية ، لم يستطع ملىء النتوءات البارزة بأحداثه ، مما أعاد على الغاية من توليف الحِكاية هو طبع نتائج مُباشرة أمام الجمهور دون فرضية خلاقة ، وانشغاله بتكثيف المساحة الفضفاضة بإبراز أحادية على حساب أخرى ، فمنعته من أن يفرض أسلوبيته نحو دِراسة درامية موازية للحدث .


لم يمنع تفاوت تقديم الحِكاية من ناحية إستبصار قائمة على حدود فِكرية مُعقدة من أن يشي بعمل " آكين " إلى إضافة بعض التوابل على طبخته النهائية والتي تسرب جزء غفير منها على أداء " ديانا كروغر " أيضاً . هُنالك طبقة مُتحجرة تحول بين ما تُجسده " ديانا " وبين ما تظهره على الشاشة ، نشعر بأن طاقة دفينة لا تُريد إستهلاكها بإفراط ! ; نراها حزينة ، ثائرة ، تتعاطى المخدرات على جمبٍ وطرف ، وتشتهي الانتحار ، جميعنا نعي ذلك جيداً ، لكنه منع من تكوين أداء أعمق للشخصية من ذلك الحضور المكثف على الشاشة دون إستفاضة داخلية تهوى مُخرج العمل ، رُبما هي كثرة المساحيق الحارقة للعينين التي نُفثت على وجهها وبعض البخاخات المائية التي زادت في تعرَقها ، كان السبب في منعها من تقديم أداء إنطباعي يعكس باطنية " كاتيا" ، فلا نرى سوى ماهو مرئي من تلك القشرة الصاقلة لشخصيتها ، ناهيك عن الآلية الصاخبة في بداية الفيلم بإلقاء " كاتيا " في خِضم أحداثه بعمل مونتاجي سريع قام بصنعه " أندرو بيرد " من خلال إصخاب المشهدية وإبراز توتر الحدث ، لكنه إبتعد عن إقتناء فٌرص في إطالة زمن لقطاته على وجه " كاتيا " ، ولا ننسى كاميرا " رينيه كلاوسمان " الترددية والمتنقلة بين فضاء الكادر بأريحية وجمالية كامنة من خلال صُنع أكثر من زاوية للقطة ، لكن ورغم ذلك كله يفشل " رينيه " بالصعب وينجح بالسهل ، من خلال إعتماده التكثيف من جرأة  أسلوبية ضائعة في لقطات غير مُهمة ،  إنشغلت بالالتفاف حول محور الفيلم بدلاً من العبور داخله .




يبقى فيلم " في التلاشي " دراما ألمانية ذات ميول تراجيدية تسحب نطاق الإذعان الكامل لدى المتفرج ، بمساعدة بطلته الرئيسية بالطبع ، لكنه يظلَ أسير  تلاشيه بعد المُشاهدة  نتيجة التباينية في أعراض فٌصوله المُجتزئة وخصوصاً في ثٌلثه الأخير عِندما حاول الإنقلاب إلى فيلم عن الإنتقام وحده ، والذي جعله غير واثق الخطى نحو تقديم رسائل دامغة أو تحديات أسلوبية زاخرة . فبدلاً من مناقشته العدالة الإجتماعية برصانة عالية  ،  يسعى إلى إظهار الجانب اليائس من تخاذله عن طريق حُلول سريعة وبسيطة هوجاء ، ما إن فكرنا بأن الفيلم يبقى سرد درامي لا أكثر ، وبأسلوب مُمنهج وعلى الطريقة التقليدية ، مُغلفاً بقشرته التي لا تزول ، ليبقى مُستسلماً إلى سلبيته التي منعته من تكوين رأي خاص بصُناعه حول القضية المنشودة . فعلى الرغم من التزاحم الذي صنعه " فاتح آكين " من خلال فيلمه بتقديم طموحات ذات مُخططات وأجندات إصلاحية مُلقاة على السطح وتُلقي الضوء على قضية راسخة ، إلا أن مايقبع أسفلها فقر درامي واضح في تحقيق الفيلم لأهدافه بصورة أكثر فعالية .


تحياتي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.